ابن كثير
211
البداية والنهاية
ما في البيت فنهبوه ، وذلك أنه نادى مناد منهم : أيحل لنا دمه ولا يحل لنا ماله ، فانتهبوه ثم خرجوا فأغلقوا الباب على عثمان وقتيلين معه ، فلما خرجوا إلى صحن الدار وثب غلام لعثمان على قترة فقتله ، وجعلوا لا يمرون على شئ إلا أخذوه حتى استلب رجل يقال له كلثوم التجيبي ، ملاءة نائلة ، فضربه غلام لعثمان فقتله ، وقتل الغلام أيضا ، ثم تنادى القوم : أن أدركوا بيت المال لا تستبقوا إليه ، فسمعهم حفظة بيت المال فقالوا : يا قوم النجا النجا ، فإن هؤلاء القوم لم يصدقوا فيما قالوا من أن قصدهم قيام الحق والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك مما ادعوا أنهم إنما قاموا لأجله وكذبوا إنما قصدهم الدنيا ، فانهزموا وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال وكان فيه شئ كثير جدا . فصل ولما وقع هذا الامر العظيم ، الفظيع الشنيع ، أسقط في أيدي الناس ، فأعظموه جدا ، وندم أكثر هؤلاء الجهلة الخوارج بما صنعوا ، وأشبهوا من تقدمهم ممن قص الله علينا خبرهم في كتابه العزيز ، من الذين عبدوا العجل . في قوله تعالى * ( ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ) * [ الأعراف : 149 ] . ولما بلغ الزبير مقتل عثمان - وكان قد خرج من المدينة - قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم ترحم على عثمان ، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال : تبا لهم ، ثم تلا قوله تعالى * ( ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون . فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ) * [ يس : 49 ] وبلغ عليا قتله فترحم عليه . وسمع بندم الذين قتلوه فتلا قوله تعالى * ( كمثل الشيطان إذ قال للانسان أكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين ) * [ الحشر : 16 ] ولما بلغ سعد ابن أبي وقاص قتل عثمان استغفر له وترحم عليه ، وتلا في حق الذين قتلوه * ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) * [ الكهف : 103 ] ثم قال سعد : اللهم اندمهم ثم خذهم . وقد أقسم بعض السلف بالله إنه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولا . رواه ابن جرير . وهكذا ينبغي أن يكون لوجوه ( منها ) دعوة سعد المستجابة كما ثبت في الحديث الصحيح وقال بعضهم : ما مات أحد منهم حتى جن . وقال الواقدي : حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث قال : الذي قتل عثمان كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي . وكانت امرأة منظور ابن سيار الفزاري تقول : خرجنا إلى الحج وما علمنا لعثمان بقتل ، حتى إذا كنا بالمرج ( 1 ) سمعنا رجلا يغني تحت الليل :
--> ( 1 ) في الطبري : العرج . والعرج عقبة بين مكة والمدينة على جادة الحاج ( معجم البلدان ) .